U3F1ZWV6ZTQ0MTA3NzcwMTZfQWN0aXZhdGlvbjQ5OTY4MDIxNDQ0
recent
آخر المستجدات

ديداكتيك القراءة - القـراءة المنهجية

ديداكتيك القراءة - القـراءة المنهجية

ديداكتيك القراءة - القـراءة المنهجية

تمهيد 
ارتبطت إشكالية تدريس الأدب عموما والنص الأدبي على وجه الخصوص دوما بوظيفة المدرسة وغايات النظام التربوي ومضمون التعليم وقيمة درس الأدب. وطرحت هذه الإشكالية بصيغ مختلفة يمكن تلخيصها في الأسئلة الآتية: هل يمكن تدريس الأدب؟ ما مضمون هذا الدرس؟ ما صلة تدريس الأدب في التعليم الثانوي بالمؤسسات الأخرى لتداول الأدب: الجامعة، مراكز البحث، الصحافة.؟.. 
وقد تجسد هذا الدرس في نماذج مدرسية أهمها: 
* النموذج اللانسوني الذي يعتمد منهج تفسير النصوص في صيغة مدرسية؛
* نموذج عرف انتشارا واسعا منذ بداية سبعينيات القرن الماضي وعرف بتوجهه الإيديولوجي وتوجهه نحو تجريب مناهج جديدة: المنهج البنيوي، المنهج اللساني، المنهج السوسيولوجي..
* النموذج البيداغوجي: طرحت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي قضية تدريس الأدب في سياق بروز الاهتمام بالبعد التربوي و البيداغوجي للنشاط الصفي ؛ فساد توجه أساسه ربط تدريس الأدب بوظيفة المدرسة، عبر ربط تدريس الأدب بتحقيق أهداف نوعية تصاغ في نوع من الدقة استنادا إلى أهداف عامة مشتقة هي بدورها من أغراض ومرام صيغت في ضوء الفلسفة التربوية التي اعتمدها المجتمع.
* النموذج التفاعلي وقد تجسد هذا النموذج في صيغ من أهمها و أبرزها صيغة " القراءة المنهجية " . ويعتبر هذا النموذج محطة طرحت فيها إشكالية تدريس الأدب عموما والنصوص خصوصا طرحا جديدا يتأسس على مبدإ التفاعل: تفاعل القارئ مع موضوع القراءة ، وتفاعل المدرس مع متعلميه. و يستند إلى مرجعيات نظرية جديدة في مجالات الأدب وعلم النفس والبيداغوجيا.

1. مفهوم القراءة المنهجية
يعرف ميشيل ديكوتM.Descotes القراءة المنهجية بكونها : " قراءة متأملة للنصوص تساعد المتعلمين على تعليل ردود أفعالهم وتأكيدها أو تصحيحها"، وبكونها " تفسيرا للنصوص على نحو مضبوط الخطوات والاختيارات". ثم إنها تنطلق من اعتبار فاعلية القارئ في علاقته بالنص موضوع القراءة ؛ فهو الذي يضفي عليه معناه وينتج دلالته؛ إذ لا وجود لمعنى سابق على فعل القراءة.
نستنتج مما سبق أن القراءة المنهجية تعطي الأسبقية لفعل القراءة الذي يبدأ بالاتصال المباشر بالنص عبر الملاحظة الموضوعية للأشكال أو المكونات (الصرف والتركيب المعجم الصور صيغ التعبير)، ويستند إلى أدوات منهجية قادرة على تفكيك النص تركيبا وصوتا ودلالة وتداولا.
و القراءة المنهجية ليست أداة لقراءة النصوص الأدبية فحسب، ، بل هي خطة قرائية عامة ومنفتحة على جميع أشكال النصوص، وأنماطها وسجلاتها ( Registres) و كل الأنواع الخطابية:
( إشهار، فيلم سينمائي، خطاب سياسي...)، و لا تنحاز لجنس خطابي خاص.
2. السياق الثقافي والتربوي للقراءة المنهجية:
تم إقرار القراءة المنهجية في التعليم الثانوي الفرنسي في الموسم الدراسي 1988 ـ 1989 باعتبارها صيغة لتجديد تدريس اللغة والأدب الفرنسيين في إطار إصلاح النظام التربوي بعد الأزمة التي عرفها هذا النظام والتي تمثلت في عدم قدرته على مسايرة التطور الذي عرفه المجتمع الفرنسي والغربي عموما وفي التطور السريع للمعارف ووسائل تداولها والثورة في مجال الاتصال والتواصل والتقدم الحاصل في الميدان التكنولوجي، مما ترتب عنه سرعة تداول المعرفة وتنوع موضوعاتها ومجالاتها. 
ولقد كشف هذا التطور عن أزمة النظام التربوي الذي لم يعد قادرا على مد المتعلمين بالقدرات والأدوات التي تعسفهم على التكيف مع هذه التحولات السريعة. لذا طرحت ضرورة التفكير في أساليب تربوية و بيداغوجية لتنظيم التعلمات على النحو الذي يؤهل المدرسة لتوفير فرص الاندماج في مجتمع سريع التطور. ولن يتحقق ذلك إلا إذا كان النظام التربوي قادرا على " إمداد الفرد بفرص الاندماج "، مما لا يتحقق، في ظل توسع مجتمع المعرفة وتطور وسائل الاتصال وتعدد أشكال الخطاب، إلا بتنمية قدرة القراءة، وعبر إكساب الفرد منهجيات وأدوات إجرائية قابلة لأن تطبق على موضوعات متعددة ومتنوعة . وبذلك أصبحت تنمية كفاية القراءة ضرورة لضمان حظوظ أوفر للاندماج والنجاح في المستقبل .
كما كشفت نتائج امتحانات البكالوريا الفرنسية عن مستوى التلاميذ اللغوي المتدني ومستوى كفاياتهم التواصلية الضعيفة، تلقيا وإنتاجا، مما فرض ، إضافة إلى العوامل الثقافية المشار إليها آنفا، ضرورة إعادة النظر في طريقة تدريس الأدب واللغة الفرنسيين . 

3. مرجعيات القراءة المنهجية
1.3 ـ مجال النظرية الأدبية: تستند القراءة المنهجية، في تعاملها مع النصوص، إلى مبادئ نظرية التلقي التي تنطلق من فاعلية القارئ في علاقته بالنص؛ فالقراءة ليست انطباعا لمعطيات النص في ذهن القارئ، وإنما هي تفاعل بين بنيات النص وبين ما يسمى في نظريات القراءة " شبكة القراءة" أو " خبرة القارئ "؛ فهذا الأخير لا يواجه النص بذهن فارغ، وإنما يتلقى النص وهو مزود بمعطيات قبلية وبمكتسباته السابقة . ثم إن النص ليس وثيقة يمكن اعتمادها لمعرفة حقائق التاريخ أو البيئة أو تعرف قسمات شخصية المبدع ، وليس بنية يكتسب أدبيته من " نظامه " أو من تماثل هذا النظام مع العالم الواقعي، وإنما الأثر الأدبي هو ما يتشكل في وعي القارئ ؛ إذ هو الذي ينقله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل عبر إعطائه معنى. وبذلك لم يعد للنص أي حقيقة خارج وعي القارئ. 
في ضوء هذا التصور أصبح ينظر إلى المتعلم باعتباره متلقيا تؤدي خبرته السابقة في التعامل مع النصوص ومعرفته و تمثلاته دور الموجه لعملية القراءة وتشييد معنى النص. وظهرت بيداغوجيا للتلقي تهتم بقضايا تلقي النصوص وإقرائها في المجال المدرسي. ( تراجع البيبليوغرافيا الملحقة ). 
إضافة إلى ذلك استفادت القراءة المنهجية من إنجازات المناهج الأدبية بمختلف توجهاتها البنيوية والتاريخية والنفسية و السوسيولوجية، ووظفت في مقاربة النصوص مفاهيم إجرائية ذات مرجعيات متعددة (الأسلوبية، الشعرية ،علم السرد ، السيميائيات ، نظرية الأجناس، البلاغة الجديدة) حسب ما تقتضيه متطلبات القراءة البيداغوجية ووفق ما يلائم خصوصية النصوص.
2.3 ـ مجال علم النفس المعرفي: تنطلق النظرية البنائية من أن عملية الإدراك ليس انطباعا لمعطيات العالم الخارجي في الذهن كما عند السلوكيين الذين يستندون في تصورهم إلى مرجعية تجريبية " العقل صفحة بيضاء "؛ فالفرد هو الذي يبني معارفه الخاصة ويكتسبها عبر " تفاعل" بين موضوع الإدراك أو التعلم و المدرِك أو المتعلم المزود بخبرات سابقة. إن المعنى ( أو المعرفة ) في ضوء هذا التصور لا وجود له على نحو قبلي، وإنما الذات هي التي تضفي المعنى على موضوعات العالم الخارجي. وهذا من المبادئ الأساس للقراءة المنهجية. 
ثم إن العقل، في نظرية الجشطالت، لا يدرك الأشياء في العالم بوصفها أجزاء منفصلة، وإنما بوصفها كليات منتظمة ذات معنى على نحو تبدو العناصر الفردية مختلفة باختلاف الإطار الذي تنتظم فيه وزاوية النظر.
3.3 المجال البيداغوجي: يضاف إلى اهتمام نظرية القراءة بفاعلية القارئ ونظرية الجشطالت بإطار الإدراك بروز الاهتمام بسيرورة التعلم وسياقها و بفاعلية البنية الذهنية التي تتشكل من قدرات المتعلم ومن معارفه ومكتسباته وخبراته السابقة في تفاعلها مع موضوع التعلم .
4. مبادئ القراءة المنهجية
ويمكن إجمال المبادئ التي تتأسس عليها القراءة المنهجية في العناصر الآتية :
* المعنى في النص بنائي يسهم القارئ، عبر تفاعله مع النص، في إنتاجه؛
* المعنى متعدد الأبعاد تبعا لتعدد القراء وتنوع كفاياتهم؛
* القارئ عنصر فاعل في ملء بياضات النص وتشييد دلالته؛
* النص كل ينبغي مقاربته على نحو شمولي ؛
* القراءة سيرورة تبدأ بالملاحظة ووضع فرضية ( أو فرضيات) للقراءة، وتتعمق برصد البنيات والمكونات و تحليلها في إطار مستويات، و تنتهي بتركيب نتائجها والتحقق من فرضياتها؛ 
* ليس هناك خطاطة نمطية تطبق على كل النصوص، وإنما تتنوع الخطاطات بتنوع أنماط النصوص وأجناس الخطاب.
ولما كانت القراءة المنهجية للنصوص " تناولا " للنص عبر ملاحظة الأشكال والعتبات ومختلف المُشيرات ، وتحليل المكونات ورصد حركيها داخل النص وبناء دلالته، فإن ذلك يقتضي الاهتمام بتنمية الكفايات الأساس لإنجاز هذه المهام التي حددتها " كاترين أورشيوني" في أربع هي :
* الكفاية اللسانية وتتمثل في قدرة المتلقي على منح دلالات للدوال اللغوية تبعا للقواعد اللغوية والسياق؛ إذ من الصعب إنجاز قراءة للنص دون معرفة دقيقة بالمستوى المعجمي والمستوى التركيبي والصوتي والتداولي للغة النص؛
* الكفاية الموسوعية (الثقافية): وتتشكل من المعارف والمعتقدات ونسق التمثلات والقيم والتأويلات، مما يتم توظيفه خلال عملية تأويل النصوص؛
* الكفاية المنطقية: تمكن الكفاية المنطقية من إنجاز عمليات ذهنية متنوعة شبيهة بعمليات المنطق الصوري كالاستقراء و الاستنباط والاستدلال في مختلف مستوياته. وتتوسع هذه الكفاية في منهاج اللغة العربية وآدابها لتشمل التمكن من المفاهيم والأدوات الإجرائية التي تقتضيها القراءة ( الكفاية المنهجية)
* الكفاية البلاغية التداولية وتتضمن هذه الكفاية المبادئ التي تحكم العلاقة بين الكلام وسياقه الاجتماعي. 

5. خطوات القراءة المنهجية:
1.5. التقديم أو بناء سياق القراءة:
تشكل هذه الخطوة محطة لضبط المعطيات النظرية المساعدة على قراءة النص ورصدها ومنها:
 ظروف إنتاج النص التاريخية والأدبية؛
 تجربة صاحب النص الأدبية ومكونات ثقافته والتيار الأدبي الذي يمثله؛
 نمط النص أو جنسه؛
 القيمة الفكرية أو الثقافية للموضوع الذي يتناوله.
على أن بناء سياق القراءة لا يعني ـ كما سيُوضح في فقرة لاحقة ـ رصد معطيات ذات طابع موضوعي تتصل على نحو من الأنحاء بالنص و شروط إنتاجه، وإنما يعني إعادة بنائها في استحضار لنوعية النص ومتطلبات قراءته والأهداف المرجوة من إقرائه.
2.5 . الملاحظة:
تتوخى الملاحظة توجيه المتعلم إلى اكتشاف بعض المشيرات الدالة في النص و استثمارها لصوغ فرضيات للقراءة ومنها:
 عتبات النص (عنوان النص، العناوين الجانبية، والصور المرافقة، مصدر النص...)؛
 نظام الفقرات، وعلامات الترقيم والشكل الكتابي؛
 جنس النص (شعر، مسرح، رواية)
 النمط الذي ينتمي إليه (ملهاة، مأساة، رحلة، قصة قصيرة، سيرة، أسطورة، نص إخباري، نص سياسي، نص فلسفي...)؛
 التيار الأدبي الذي يندرج ضمنه.
3.5 . فهم النص
تركز القراءة المنهجية في هذه الخطوة على إدراك المضامين وإنتاج معنى للنص، من منطلق اعتبار هذا الأخير مرتبطا بسياق القراءة؛ إذ الأمر يتعلق بالمشروع القرائي المشروط بالوضعية البيداغوجية و استراتيجية القراءة والأهداف المراد بلوغها.

4.5 . تحليل النص:
في هذا المرحلة من مراحل القراءة ينصرف الاهتمام إلى التقاط القرائن والمشيرات النصية المختلفة و يقتضي التحليل النظر إلى مستويات النص بوصفها عناصر جزئية داخل نسق كلي وتحويلها إلى عناصر دالة ومتفاعلة فيما بينها، مما يسمح بتأويل النص وبناء دلالته( من بين دلالات أخرى ممكنة)، وينبغي أن يحصل ذلك مع مراعاة قوانين اشتغال النص؛ و نشغل هذه المرحلة آليات تصنيف المعجم وفق حقول وطبقات دلالية، و تأويل الخصائص التركيبية للنص في استحضار لبعدها التداولي. ويتم ذلك عبر المستويات الآتية:
 مستوى المعجم: رصد الحقول المعجمية و / أوالدلالية؛
 مستوى بنية النص: حسب خصوصية النص (شعر التقليد، شعر التجديد الشعر المعاصر، المقالة...)؛
 مستوى التلفظ: وضعية التواصل، المتكلم، السارد، الشخصيات، وضعية المؤلف بالنسبة للقارئ، المشيرات الدالة على المؤلف...؛
 مستوى التركيب: نوعية الجمل، الأزمنة النحوية، نوعية الأفعال، الضمائر، الروابط...؛
 مستوى بلاغة النص: الصور البلاغية والمكونات الأسلوبية...؛
 مستوى الخطاب: الاستراتيجية المستعملة للإبلاغ وعلاقتها بمختلف المقامات التواصلية أو نظام التخييل وبعده التداولي.

5.5. التركيب: 
القدرة على تركيب نتائج مقاربة النص في مختلف المراحل وتنظيمها في خطاب مكتوب. و يمكِّن هذا النشاط المتعلمَ من الأساس المنهجي للغة الواصفة ذات الخلفية المعرفية والتواصلية والمنهجية ، مما يجعله قادرا على إنتاج خطاب تواصلي حجاجي يروم إنتاج معرفة نقدية تدافع عن أطروحة أو وجهة نظر إزاء النص موضوع الدراسة.

6.5 . التقويم:
يحول المتعلم مكتسباته في الخطوات السابقة من أجل التمكن من معالجة بعض القضايا المشابهة لما تناوله داخل الفصل أو حل مشكلات في وضعيات جديدة غير مندرجة في سجل خبراته، وتسمح له بإصدار الأحكام.

6. تدريسية النصوص الأدبية 
تطرح في هذه النقطة إشكالية تدبير أنشطة القراءة المنهجية في إطار يأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أبعاد: البعد المعرفي للمادة الدراسية و البعد البيداغوجي متمثلا في بنية المنهاج و مستوى كفايات المتعلمين التواصلية والمنهجية والثقافية والبعد المتصل بدور المدرس.
و تفرض سيرورة التعلم القائمة على فاعلية المتعلم مسارا خاصا لأنشطة القراءة وإعادة بناء المعرفة أو تحويلها من معرفة عالمة إلى معرفة مدرسية. وتتحكم في هذه العملية مقاصد المنهاج ومستلزمات تنفيذه، وأهداف المادة الدراسية وسياق التدريس ومستوى كفايات المتعلمين وتنظيم فعل بناء المعرفة وتقويمه. وبذلك يكون مسار امتلاك المعرفة الأدبية، مسارا مصطنعا إذا ما قورن بالشكل الطبيعي التاريخي للمعرفة الأدبية ( سياقها الأصلي) 
ويفترض تخطيط هذا المسار استحضار دور المدرس الذي يتجسد في المهام الآتية:
* تحديد استراتيجية العملية التعليمية التعلمية في ضوء مبادئ وحدة المادة وتكامل مكوناتها و سيرورة تنفيذ المنهاج ومبدإ تدرج الأنشطة وتصور للامتدادات الممكنة وفي استحضار للكفايات المنشودة ؛
* التحويل الديداكتيكي للمعرفة أي إجراء تعديلات وتغييرات في بنية المادة المعرفية لتستجيب لمتطلبات التدريس. ويدخل في هذا الإطار إعادة بناء المعارف وخلق السياق الملائم لتداولها الذي قد يختلف عن سياقها الأصلي، و اختيار عتبات القراءة، وتبين سياقها واقتراح مسارها. 
* تنظيم فعل بناء المعرفة وتقويمه وفق ما يقتضيه تدبير زمن التعلم وخصوصية الفصل، عبر التدخلات الممكنة لتوظيف الكتاب المدرسي ومختلف الوسائل التعليمية، وعبر البحث عن سبل تحيين النصوص على النحو الذي يبلور مبدأ استحضار تمثلات المتعلم وحاجاته أولا، ومقاصد تدريس النصوص ثانيا، كما يستحضر إطار تدريس النصوص والمفاهيم التنظيمية المؤطرة لها، ومسار القراءة بدءا من التوقع إلى الاختبار إلى تخزين المعرفة.
وسيتم التركيز في إطار تنفيذ هذه المصوغة التكوينية التركيز على ثلاثة محاور :
• بناء سياق للقراءة؛
• صوغ فرضيات القراءة؛
• بناء معنى النص.
1 ـ بناء سياق النص: يصدر تناول سياق القراءة عن مسلمة ذات أساس فلسفي مفادها أن معاني الأشياء ليست في نهاية الأمر إلا ما نضفيه عليها، ولا وجود للأشياء خارج وعينا ، ثم إن هذه المعاني التي نضفيها على الأشياء إنما هي محكومة بالسياق الذي ندركها فيه.
انطلاقا من هذه المسلمة وفي ضوء المقتضيات الديداكتيكية المشار إليها أعلاه يمكن تناول هذه الإشكالية من خلال الأسئلة الآتية:
ما المعطيات المتصلة بإنتاج النص أو تداوله التي يمكن استثمارها في بناء سياق القراءة؟؛
ما العناصر المحددة لهذه المعطيات؟؛
على أي نحو يجب أن يحضر النص في تحديد سياق القراءة؟؛
كيف يجب أن نستحضر بناء المنهاج في هذا التحديد؟؛
كيف نستحضر مستوى كفاية المتعلم القارئ وصعوباته في ذلك؟.
2 ـ صوغ فرضية(ات) القراءة: يقتضي صوغ فرضية (ات) القراءة استحضار الإطار الذي يندرج ضمنه النص ، وسياق القراءة ، كما يقتضي استحضار النص، واعتبار الفرضيات إجابة(ات) عن الأسئلة التي يمكن طرحها.

3 ـ بناء المعنى : يتولد المعنى عن التفاعل الحاصل بين القارئ باهتماماته ومداركه ومستوى كفاية التلقي لديه والنص بمختلف مكوناته، كل ذلك في استحضار لمتطلبات القراءة المدرسية من ضبط للسياق و لاستراتيجية القراءة. و سيرورة بناء المعنى هي سيرورة تحيين لمختلف مكونات النص ، مما يقود المتعلم إلى إنتاج معان حول النص.

7. نموذج تطبيقي : من شعر : محمد الحلوي
صاحب النص: 
محمد الحلوي شاعر مغربي من مواليد فاس عام 1922 م تلقى دراسته بجامعة القرويين التي نال منها شهادة العالمية سنة 1947م، انخرط في سلك التعليم بالقرويين إلى سنة 1967 ثم انتقل إلى مدينة تطوان التي مارس بها مهنة التعليم ثم التفتيش إلى أن أحيل على المعاش سنة 1982م.
قال في جميع أغراض الشعر، ونشرت له مختلف الصحف والمجلات الأدبية من دواوينه: أنغام وأصداء (1965) شموع (1988م) أوراق الخريف (1990م) نال جوائز أدبية في عدة مناسبات وطنية تقديرا لشعره وقيمته الأدبية، توفي يوم 24/12/2004 م.
مصدر النص: 
ديوانه أنغام وأصداء: طبع ونشر دار السلمى والدار البيضاء ط1 أحمد السلمي 1965 م ص 169 – 173م.
يقول عنه الناشر: "ونرى في قصائده أو قل عرائسه على الأصح لوحات زيتية رائعة مجلوة في أبهى الحلل ومعروضة في إطار من الرونق ينسيك صناعة ابن المعتز وكشاجم، وإنك لواجد في شعره من قوة الأسلوب ورقة التعبير وسعة الخيال ودقة الوصف والتصوير وتزاحم المعاني في البيت الواحد ما لا تجد مثله إلا عند أبي تمام وابن الرومي والمتنبي" مقدمة الديوان ص: 9.
النـــــــص: 
1- قف ناج أطـلالا وراء الـواد مربـدة مـن صولـة الآبـاد 
2- واسكب غناءك أو رثاءك أدم حرّى تخفف من عناء الصادي 
3- واندب جلال المجد في أبهائهـا وحضارة أخفت صدى بغـداد 
4- والسعد منقـادا يسايـر دولـة ضاء الوجود بنورهـا الوقـاد 
5- يا لمحة الماضي الذي نزهو به فخرا وأغنية الولوع الشـادي
6- لله روعـتك التـي لم تبلـهـا رغم الزمان حوادث وعوادي 
7- وقداسة لك في القلوب نحوطها بالحب مثـل قداسـة العبـاد 
8- وثرى يداعب نفحـه أنفاسنـا فنشم فـيه مفاخـر الأجـداد 
9- تملين في صمت صحائفك التي خلدتها للمجد بـيـض أيـادي 
10- يا ومضة من ذلـك النور الذي غشي الوجود وبرزخ الأجـداد 
11- المرء عندك زائرا يختال فـي دنيا مـن الشهـداء والأمجـاد
12- يا برزخا كالأبلق الفرد الـذي شيدت دعائمه علـى الأوتـاد
13- بلغ رسالتك الـتي أودعتهـا لهدى البنين وعبـرة الأحفـاد
14- واملأ فم الدنيا بذكـرى قـادة سعدت بهم من ساعة الميـلاد
15- طلعوا على الدنيا فكانوا آيـة تهدي السراة وأنجما في النادي
16- وتسابقوا لجلائل الأعمال في شمم الأبـاة تسابـق الـوراد
17- المرء عندك زائرا يختال في دنيا مـن الشهـداء والأمجـاد
محمد الحلوي: أنغام وأصداء،
طبع ونشر دار السلمى – الدار البيضاء ط1، 1965 ص 169 

شروح لغوية: 
-مربدة: مقيمة -الصادي: عطشان من صدي يصدى: عطش – الولوع: المحب -الشادي: المترنم
-عوادي: صروف الدهر وحوادثه - غشى : غمر - برزخ: حاجز وحصن 
-الأبلق الفرد: حصن بناه السمو أل بن عادياء في العصر الجاهلي - آية: علامة 
- السراة: الذين يسيرون في الصباح الباكر -النادي : مكان الاجتماع - شمم الأباة: الشمم ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه ويدل على العزة والكرامة.
الملاحــظــة 
1.انطلق(ي) من العنوان ومن البيت الأول وافترض(ي) ما يسوغ استحضار التاريخ في النص؟؛
2.لاحظ(ي) أفعال الأمر في الأبيات الثلاثة الأولى (قف – ناج – اسكب – اندب) وحدد(ي) مخاطب الشاعر مبرزا(ة) علاقة هذا الخطاب بالشعر القديم.
3.النص تأثر بالنموذج الشعري القديم، افترض مظاهر هذا التأثر.
الفــــهــــم
-اقرإ(ي) النص قراءة فاحصة وحدد(ي) من خلاله ما يأتي:
1. الصفات التي كانت تميز المكان في الماضي.
2. المكانة التي يحظى بها المكان عند الشاعر.
3. دور القادة المرتبطين بالمكان من خلال الأبيات (14-15-16). 
4. العبرة التي يأخذها الزائر من الوقوف على هذه الأطلال.
5. تأثر الشاعر بهذه الأطلال وحنينه إلى الماضي.

تقويم جزئي:
استنادا إلى ما تعرفته سابقا حدد(ي) وحدات النص وأبرز(ي) المعاني التي تتضمنها كل وحدة.

التحليـــل
1. للتعبير عن البكاء والتفجع على الماضي الحضاري لبني مرين وظف الشاعر معجما يعكس أثر اندثار تلك الآثار في نفسيته – استخرج(ي) من النص الألفاظ والعبارات التي تنتمي لهذا المعجم.
2. تحضر في النص قيم الفخر القديم – استخرج(ي) منه بعض الألفاظ والعبارات الدالة على هذه القيم.
3. لاحتذاء النموذج الشعري القديم التزم الشاعر مقومات القصيدة القديمة بين(ي) ذلك من خلال: 
- الإيقاع الخارجي للقصيدة من حيث الوزن والقافية والروي.
-الإيقاع الداخلي من حيث تكرار بعض الأساليب وبعض الأصوات والألفاظ.
4. كثف الشاعر الأساليب البيانية في النص لبناء صورة فنية تستوحي عناصرها من الشعر العربي القديم وخصوصا: أساليب المجاز والاستعارة والتشبيه.
عد (عودي) إلى النص واستخرج(ي) أمثلة لذلك مبينا دورها في بناء الصورة ووظيفتها في سياق النص. 
5. لتنويع أشكال الخطاب استعمل الشاعر أساليب: الأمر والنداء والتعجب. استخرج(ي) هذه الأساليب حسب تواليها في النص وبين(ي) وظيفتها في سياقه.
6. يستقي الشاعر توجهه من النموذج الشعري القديم ومن استعادة الصورة المشرقة للماضي  .
ما الرسالة التي يحملها هذا التوجه؟ 
التركيب 
تبدو القصيدة إحياء للنموذج الشعري القديم، اكتب(ي) فقرة تبين(ين) فيها مظاهر الإحياء على صعيد ما يأتي: 
1-المعجم والقيم؛
2-الإيقاع العروضي: الوزن والقافية والروي؛
3-الصور البيانية؛
4-الأساليب؛
5 ـ استعادة صورة الماضي.
التقويم
يقول الأسود بن يعفر النهشلي:
ماذا أؤمـل بـعـد آل محـرق تركوا منازلهـم وبعـد إيـاد 
أهل الخورنق والسدير وبـارق والقصر ذي الشرفات من سنداد 
أرضا تخيرها لـدار أبيـهـم كعب بن مامـة وابـن أم دؤاد 
جرت الرياح على مكان ديارهم فكأنمـا كانـوا علـى ميعـاد
ولقد غنوا فيها بأنعـم عيشـة في ظل ملـك ثابـت الأوتـاد 
نزلـوا بأنقـرة يسيـل عليهم ماء الفرات يجيء من أطـواد 
[ أين الذين بنوا فطال بناؤهـم وتمتـعـوا بالأهـل والأولاد ]
فإذا النعيم وكل ما يلهـى بـه يوما يصير إلـى بلـى ونفـاد 
المفضليات: تحقيق وشرح: احمد محمد شاكر وعبد السلام هارون. ط 6 بيروت لبنان ص 217.
شروح لغوية:
- محرق: لقب لقب به بعض ملوك العرب - إياد: قبيلة - الخورنق: قصر بالحيرة 
- السدير: قصر أو نهر بالحيرة - بارق: ماء بالعراق 
- سنداد: نهر أسفل من الحيرة بينها وبين البصرة - كعب بن مامة: أحد أجواد العرب في الجاهلية
- غنوا: أقاموا 
- أنقرة: بكسر القاف وبضمها: بلد بالحيرة بالقرب من الشام. وهي غير أنقرة التي في بلاد الروم. 
- الأطواد: الجبال 
.
1.اقرأ(ي) النص قراءة فاحصة ووازن(ي) بينه وبين نص الحلوي الذي درسته، مبينا(ة) أوجه التقاطع بينهما على صعيد: 
-الإيقاع: الوزن والقافية والروي.
-المعاني
-الصور
2.ما مدى التأثير الذي أحدثه هذا النص في نص الحلوي وما علاقة هذا التأثير بحركة إحياء النموذج؟
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق