التربية قبل مدرسية في ضوء إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب

إعلان أدسنس

آخر المواضيع

breaking/آخر الأخبار/9
آخر الأخبار

نوفمبر 02، 2016

11:28 م

تكبير النص تصغير النص أعادة للحجم الطبيعي
تعليم بريس :

التربية قبل مدرسية في ضوء إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب
بقلم: ذ نور الدين أمزيان
تهدف هذه الدراسة التي نحن بصددها إلى تقييم الوضع الحالي للتعليم الأولي بالمغرب بشكل عام وإقليم مكناس بشكل خاص. وقد اتخذت من الوثائق الرسمية و الاستمارات وعقد مقابلات مباشرة مع مجموعة من الفاعلين والمسؤولين بالمديرية الإقليمية بالمنطقة المعنية بالدراسة بمن فيهم الطاقم المكلف بالاصطحاب والتأطير؛ إضافة إلى استمارات خاصة بالمربين (مدرسين) بهذا السلك وأخرى خاصة بالمسؤولين بالإدارة التربوية للمؤسسات المتوفرة على التعليم الأولي سندا لها…

مع التركيز على تحليل المنهاج الخاص بهذا السلك بما في ذلك مختلف الكتب المعتمدة به، إلى جانب جملة من الوثائق المعمول بها في الأنشطة اليومية التي ينجزها الأطفال. مما مكن هذه الدراسة من الوقوف على مستوى تعميم وجودة التعليم قبل المدرسي.
طبقا لمقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي جعل من تعميم التعليم أحد أهداف الإصلاح الأساسية، صادق البرلمان المغربي سنة 2000 على القانون 00 – 05 المتعلق بالتعليم الأولي، والذي بموجبه يكون التعليم الأولي مفتوحا لجميع الأطفال من 4 إلى 6 سنوات. وتعتبر هذه المرحلة من الأهمية بمكان نظرا لوقعها على النمو النفسي–معرفي والفكري، والوجداني والاجتماعي للطفل؛ إضافة إلى أنها تسهم بشكل كبير في التصدي لظاهرتي الهدر المدرسي والفشل الدراسي؛ إذ بينت بعض الدراسات تأخر الأطفال غير المتمدرسين بالسلك الأولي، تأخرهم دراسيا مقارنة مع أقرانهم الذين تلقوا هذا النوع من التعليم. أما الهياكل الجديدة للأسلاك التعليمية بالمؤسسات فستعرف بمقتضى هذا الميثاق وابتداء من سنة 2000 مراجعة في بنياتها وهياكلها بحيث كان يفترض أن تحتوي المنظومة على تعليم أولي حديث كان مفروضا تعميمه على الأطفال من 4 إلى 6 سنوات في أفق سنة 2004.
غير أن الفشل في تحقيق هذه الأهداف و المشاريع التي كانت مسطرة سلفا في الميثاق كان وراء إخراج البرنامج الاستعجالي إلى الوجود (2009-2012) والذي كان يطمح بدوره إلى تعميم تعليم أولي ذو جودة في المستوى وذلك في أفق سنة 2015. إلا أن النتائج جاءت مرة أخرى مخيبة للآمال. إذ نلاحظ أن جل – إن لم نقل كل – مؤسسات التعليم الأولي سواء التقليدية منها (كتاب، “مسيد” …) أو العصرية تنتمي للقطاع الخاص وهي موزعة بطريقة غير متساوية على مختلف الجماعات المكونة للمديرية الإقليمية المعنية بالدراسة (مكناس) . فالأطفال المنحدرون من المناطق القروية، والمناطق الحضرية المحرومة وكذلك الأطفال المنتمون للطبقات الاجتماعية الهشة هم الأكثر عرضة لعدم الاستفادة من التعليم الأولي. وحتى في حالة الاستفادة منه فإن العرض المدرسي يبقى محصورا في تعليم أولي تقليدي غير مجاني يلقن في مؤسسات لا تستجيب لدفتر التحملات المصاغ من طرف السلطات التربوية المختصة. أما عدد أقسام التعليم الأولي العمومي فقد بلغ خلال موسم 2012-2013، 52 قسم (29 حجرة)؛ وإذا كان هذا الرقم غير ضعيف نسبيا فإن توزيع هذه الأقسام على مختلف الجماعات التابعة لمكناس يعتبر غير متناسب، إذ بينت الدراسة أن نسبة 33,60 % فقط من التلاميذ المسجلين بالسنة الأولى ابتدائي – بالمدارس التابعة لنيابة مكناس – موسم 2013 / 2014 – هم الذين تمدرسوا بالتعليم الأولي، وهذه النسبة ضعيفة جدا وغير مشجعة. فالتلاميذ الذين تلقوا تمدرسا بالتعليم الأولي منهم 5 % فقط مسجلة بالمدارس العمومية، و 28% بالمدارس الخصوصية العصرية بينما 67 % بالتعليم الأولي التقليدي، وهذا معناه أننا مازلنا بعيدين كل البعد عن تعميم هذا النوع من التمدرس وبالأحرى تحديثه.
أما بخصوص المناهج بشكل عام، فإنها تعرف تنوعات واختلافات كثيرة ومعيقة للجودة، فالكتب المدرسية المعتمدة بهذا السلك متعددة ويصل عددها إلى 12 كتابا، تبقى فيها حرية الاختيار لكل مؤسسة لتبني ما تراه مناسبا. يتم اختيار نوع واحد بشكل عام وفي حالات نادرة جدا كتابين. وبخصوص المواد المدرسة فإنها ترتكز على تعلم الكتابة والقراءة والحساب، وذلك بنسب تصل إلى 67,16% وهي كبيرة جدا بالمقارنة مع مواد أخرى تتماشى في طبيعتها مع النمو النفس – معرفي والوجداني للطفل. وهذا ينطبق كذلك على أغلب المواد الأخرى المدرسة مثل التربية على المواطنة، والفرنسية، والتربية الإسلامية (الانجليزية بنسبة نادرة). أما الأنشطة التي تناسب حاجيات الطفل النفسية، فهي قليلة جدا باستثناء الأنشطة الفنية أو الأنشطة الحس-حركية، وفي أفضل الأحوال التربية البدنية؛ أما التربية الموسيقية أو البرانم الخاصة بالألعاب فهي جد نادرة.
نلاحظ إذن هيمنة المقاربة المدرسية مع التركيز على التعلم المبكر للقراءة، والكتابة، والحساب وقد يكون ذلك في أغلب الأحيان تحت الطلب الملح للآباء مقابل تجاهل المقاربة باللعب ومقاومتها بشدة. كل هذا يبرز جهل المشرفين على هذا القطاع بالدور الذي يلعبه اللعب في النمو الذهني وفي التعلم بشكل عام لدى الأطفال. فنمو الذكاء عند الإنسان حسب بياجي مرتبط – بعد البنية الوراثية – بالبيئة التي يوضع فيها الطفل، فهو سيرورة نشاط يمارس على موضوع معين وليس اكتساب الموضوع في حد ذاته. هذا النشاط يبرمج بهدف حل مشكل ما، وينبغي أن يراعى فيه الجانب التحفيزي للطفل المتعلم. وتعتبر الأنشطة المرتبطة باللعب أهم، إن لم نقل الوحيدة القادرة على إثارة فضول الأطفال وبالتالي تحفيزهم، بحيث ارتكزت كل أبحاث بياجي المرتبطة بمراحل الذكاء عند الأطفال على هذه المقاربة.
أما بخصوص جانبية المربين بهذا القطاع، فكل المؤسسات المستجوبة لم يستفيد المربون بها من أي تكوين يخولهم الحصول على دبلوم يمت بصلة لتخصص التربية والتكوين، أو الديداكتيك وما شابه ذلك، وهذا ينسحب على جميع الحاصلين على الإجازة الذين لا تتجاوز نسبتهم بالمديرية الإقليمية 9%. باستثناء حالة واحدة تتوفر على دبلوم التكوين بالتدرج المهني- تخصص مربية. دبلومات أخرى غير معروفة و ممنوحة من مؤسسات كالهلال الأحمر وغيره من المؤسسات غير المتخصصة ومحصل عليها في أغلب الأحيان من مربين دون مستوى البكلوريا أو في أحيان نادرة مستوى بكلوريا أو دبلوم الدراسات الجامعية العامة وعددها لا يتعدى رؤوس الأصابع. وعموما فإن 56% من الممارسين لمهام مربي (ة) بسلك التعليم الأولي غير حاصلة على البكالوريا، مما يطرح إشكالية ضبط واستيعاب المفاهيم المتعلقة بعلوم التربية. ولاتفوتنا الإشارة إلى أن هذه الفئة تتلقى أحيانا تكوينات مستمرة تؤطرها مسؤولات عن القطاع بالمديرية الإقليمية بمكناس.
يتضح من خلال ما سبق، أن تعميم التعليم الأولي يعتبر من الضروريات الملحة التي قد تمكن المنظومة من الحد من نسبة الهدر المدرسي والتكرار؛ نفس الشيء كذلك بالنسبة لتجويده وذلك لن يتأتى إلا باعتماد مجموعة من التدابير نذكر منها، ضرورة إدماج سلك التعليم الأولي بمؤسسات التعليم العمومي وإسناد مهام التكوين الأساسي والمستمر للمربين بهذا السلك، لمراكز متخصصة كالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. علاوة على إعادة النظر في البرامج والمناهج بهذا المسلك وتكييفها مع الحاجيات النفسية للأطفال باعتماد المرجعيات والدراسات العلمية المتخصصة في هذا الباب. ويبدو أن الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030 قد أولت عناية خاصة للتعليم الأولي وجعلت من إلزاميته للدولة والأسر وتعميمه مع دمجه التدريجي في سلك الابتدائي إحدى الرافعات الثمان لتحقيق الإنصاف.

إرسال تعليق

ترقيات و امتحانات